العدد 115   ربيع الأول 1435هـ
الرئيسية تعريف بالموقع هيئة التحرير اتصل بنا أرشيف الأعداد السابقة
 
مقالات
حوار
القضية
تقرير
أوراق علمية
تحقيق
استطلاع
أنظمة ولوائح
>> القضية

سياج منيع يحمي الموظف من الخطأ والزلل

قيم العمل .. وأثرها على الأداء الوظيفي !

اعداد/ شقران الرشيدي

 

 
أ.د. ابراهيم عارف : قيم العمل من أهم الركائز التي تقوم عليها تنمية وتطوير المجتمعات
د. محمد البكر : غياب قيم العمل يوجد الفساد الإداري ويشيع المحسوبية والوجاهة
د. حزاب الريس : أسباب غياب قيم العمل في منظماتنا عدم وضوح الأنظمة من الناحية الإجرائية و العقوبات
أ. رقية العلولا ، وجود قيم العمل في أحاديث المديرين والموظفين واجتماعاتهم لا يعني أنها موجودة..ومؤسسات العمل في واقع حياتنا الوظيفية لا تبني قيم العمل ولا تراعي وجودها
 
المشاركون في القضية :
- أ.د. إبراهيم عبد الواحد عارف
عضو هيئة التدريس ، ،المشرف على التعاون الدولي والجمعيات العلمية بجامعة الملك سعود .
- د. محمد بن عبد الله البكر
أستاذ السلوك التنظيمي، عضو هيئة التدريب بمعهد الإدارة العامة .
- أ. رقية بنت سليمان بن علي العلولا
 ماجستير إدارة تعليمية وإشراف تربوي ، عضو هيئة تدريب بالفرع النسائي بمعهد الإدارة العامة ، متعاونة من وزارة التربية والتعليم.
- د. حزاب الريس
 أستاذ الإعلام و عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود .
 
 
قيم العمل هي مجموعة المباديء والتعاليم والضوابط الأخلاقية والمهنية التي تحدد سلوك الموظف الإداري، وترسم له الطريق السليم الذي يقوده إلى أداء واجبه الوظيفي ودوره في المنظومة الإنتاجية التي ينتمي إليها، وهي إلى جانب ذلك السياج المنيع الذي يحميه من الخطأ والزلل، ويحول بينه وبين ارتكاب أي عمل يخالف ضميره، أو يتنافى مع مبادئه.
وتختلف قيم العمل من مجتمع إلى مجتمع، كما تختلف من شخص إلى آخر، لكن هناك إجماعاً على أهمية قيم العمل وضرورتها لأي كيان إنساني، أو أي منظومة إدارية، خاصة في البلاد التي تسعى جاهدة لبناء نفسها وتطوير مؤسساتها وبنيتها الاجتماعية والاقتصادية، بوصفها ضمانة لتحقيق معدلات إنتاجية أعلى، وتنشئة أجيال محبة لعملها مخلصة لمجتمعها ولوطنها.
"رسالة معهد الإدارة العامة" طرحت قضية " قيم العمل وأثرها على الأداء الوظيفي " على عدد من الأكاديميين والخبراء والمعنيين بالشأن الإداري والسلوكي، وكانت محصلة النقاش في السطور التالية: 
واقعنا الإداري يتطلب منا وقفة حقيقية
عن قيم العمل بمعناها المتعارف عليه ، وهل هي موجودة في واقع حياتنا الوظيفية ، يقول أ.د. إبراهيم عارف : أن قيم العمل تعد لأي مجتمع إنساني من أهم الركائز التي تقوم عليها تنميته وتطويره لدورها الهام في جعل الفرد يشعر بقيمة ما يؤديه من عمل ورفع الأداء والإنتاجية ، وتختلف المجتمعات الإنسانية في مدى اهتمامها بقيم العمل أو ما يسميه البعض (ثقافة العمل) القائمة على مفهوم حب العمل ودرجة الالتزام به . وإذا طبقنا ذلك المفهوم على واقعنا الإداري في المملكة فإننا نجد أن هذا الواقع يتطلب منا وقفة حقيقية ، لإعادة النظر في كثير من مفاهيمنا الوظيفية لتفعيل منظومة القيم برفع مستوى الوعي الاجتماعي وتحقيق الالتزام و زيادة المسؤولية الأخلاقية للأفراد تجاه مجتمعهم  لإعادة صياغة ما ترسب من قيم سلبية أدت إلى هدر الإنتاج وضعف الأداء وتبديد وقت العمل. مع أهمية التركيز ، وربما هذا هو الأهم ، على الجيل الجديد من الموظفين الذي سيقود عملية التنمية في المستقبل من خلال تعزيز القيم الوظيفية الأساسية التي نرغب في ترسيخها .
بلورة مفهوم القيم
و من جانبه يقول د. محمد البكر : قبل الإجابة عن السؤال المتعلق فيما إذا كانت قيم العمل موجودة في واقع حياتنا الوظيفية أم لا، يتطلب الأمر تحديد وبلورة مفهوم القيم من خلال الواقع الإداري ليتسنى لنا أمر الحكم أو إعطاء رأي ، لذا يمكن تحديد مفهوم القيم بشكل عام على أنها المكون النفسي والعقلي (المعتقد) لدى الناس حول شؤونهم وأحوالهم في أمور الدنيا من معاملات وتصرفات في الحياة اليومية،  حيث تقوم القيم كمعتقد راسخ يؤمن بها الفرد من حيث توجه سلوكه وتنظيم علاقته بالواقع والمؤسسات والآخرين من حوله في أثناء تعامله وتفاعله اليومي، وتجدر الإشارة إلى أن العلوم الاجتماعية تميز بين نوعين من القيم هما : قيم الوسيلة وقيم الغاية، حيث يعد النوع الأول معتقد يفاضل فيه الفرد بين سلوك وآخر، الصدق أفضل من الكذب، الشجاعة أفضل من الجبن، الكرم أفضل من البخل، أما قسم الغاية فتتمثل بمجموعة القيم التي تحدد لنا الغايات المثلى التي تسعى لتحصيلها وذلك لارتباطها بتحقيق المجتمع المدني الحديث، ويمكن الإشارة إلى أهم قيم العمل العامة في المجتمعات الحديثة والمعاصرة، وهي على سبيل المثال: التمثل بالأخلاق والآداب العامة، الاتصاف بالاستقامة والنزاهة، الإحساس والشعور بالمسؤولية، احترام القانون والامتثال للأنظمة والمبادئ العامة،
احترام حقوق الآخرين وتقدير خصوصياتهم، حب العمل، الدافعية الذاتية نحو الأداء المتميز، تمثل الدقة والانضباط سلوكيًا.
كما تجدر الإشارة إلى أن مجموع القيم السابقة يعتبر المحرك الرئيس لتطور ورقي منظمات العمل في الدول الغربية وبعض الدول الإسلامية، حيث تبنى هذه القيم تربويًا في أفراد المجتمع وتم تمثلها عمليًا في واقع التعايش والتعامل اليومي.
أحاديث المديرين والموظفين
أما أ. رقية العلولا ، فترىإن وجود قيم العمل في أحاديث المدراء والموظفين واجتماعاتهم لا يعني أنها موجودة بنفس القدر في ممارساتهم الوظيفية ..ومؤسسات العمل في واقع حياتنا الوظيفية لا تبني قيم العمل ولاترعى وجودها، بل إنها لا تؤسس لها في الغالب ، وقد ينضم للمؤسسة موظفون يحملون في خلفيتهم السابقة قيما للعمل يمارسونها بشكل منفرد كجزء من شخصياتهم وليست جزءاً من ثقافتهم الوظيفية .
الالتزام بالوقت والإنتاجية
وفي ذات المحور يرى د.حزاب الريس أننا عندما نتحدث عن قيم العمل نحن لا نتحدث عن قيم مطلقه تسبح في فضاء تنظيمي معين ولكن نتحدث عن قيم نسبيه توجد على نحو درجات متفاوتة حسب الظروف المحيطة بكل بيئة عمل ، ولو حاولنا النظر إلى بين قيم العمل في مجتمعاتنا مقارنة بالمجتمعات الغربية على سبيل المثال ، هنا سوف نجد اختلاف كبير في الدرجة يميل إلى صالح المجتمعات الغربية التي قطعت شوطا حضاريا طويلا في بنيتها التنظيمية والمؤسسية وبالتالي نستطيع أن نلاحظ الاختلاف بشكل لافت للانتباه ، فالالتزام بالوقت والإنتاجية والالتزام بالقوانين مع المرونة تعد من السمات الرئيسية في ثقافة المنظمات بكل أنواعها سواء المؤسسات العامة أو القطاعات الربحية الخاصة .
وضوح الثواب والعقاب
ويعزو د. حزاب الريس أسباب غياب قيم العمل في منظماتنا بكافة أشكالها هو عدم وجود الأنظمة الواضحة سواء في طريقة أداء الوظيفة ومتطلباتها من الناحية الإجرائية أو العقوبات المترتبة على إهمال القيام بمتطلبات العمل فعدم وضوح الثواب والعقاب في أي عمل إنساني أو حتى التساهل في تطبيقه لا يمكن إلا أن يكون عائقا في الوصول إلى الأداء الأفضل.
 
انطباعية
أما د. محمد البكر  فيرى أنها تبدو لأول وهلة بأنها انطباعية، إلا أنه بالنظر إلى انخفاض وتدني مستوى الإنتاجية في المؤسسات الحكومية، يمكن القول أن هناك مشكلة تتعلق بقيم العمل لدى العاملين في القطاع العام الأمر الذي أثر على مخرجات هذا القطاع من حيث الأداء والإنجاز ، مشيرا إلى نتائج إحدى دراسات منتدى الرياض الاقتصادي والتي تناولت دراسة وتحليل أداء الأجهزة الحكومية حيث أفاد ما يقرب من 82% من عينة الدراسة عن عدم رضاهم عن أداء الأجهزة الحكومية، وبخصوص الإجابة عن مجموعة الأسئلة المتعلقة بالقيم قمت بتوزيع هذه الأسئلة على ما يربو على مائتين متدرب(200) من موظفي الدولة، ممن شاركوا في أخذ دورات تدريبهم خلال الفترة الزمنية الواقعة بين 15/11 – 15/12 حيث أفاد أكثر من 60% من المجيبين بأن قيم العمل غير موجودة، كما أشارت بعض الإجابات إلى عدم فهمها لمفهوم القيم. إن هذه النتيجة تدل ولاشك أن هناك مشكلة كبيرة في مؤسسات وأجهزة القطاع الحكومي بل هناك أزمة مستقبلية سوف يواجهها هذا القطاع من المتعاملين معه سواءً من الداخل أو الخارج.
المفهوم الحقيقي للعمل
أما أ.د. إبراهيم عارف فيرى أن من أسباب غياب قيم العمل لدى بعض الموظفين في محيطنا الإداري هو عدم تقدير  المفهوم الحقيقي للعمل باعتباره علاقة إيجابية متكافئة بين طرفين لا يجور أحدهما على الآخر (حقوق وواجبات) ، لاسيما في ظل عدم اهتمام بعض الجهات الحكومية بالتأهيل والتدريب العملي المناسب، خاصة للمسئولين و والمديرين الذين يمثلون قدوة للموظفين الآخرين فيبدون أمامهم ضعفي الكفاءة ، والخبرة والتخصص مما ينجم عنه مشكلات تتسبب في تعويق مسيرة العمل (ففاقد الشيء لا يعطيه)  فتتراجع قيم العمل بشكل كبير ، إضافة إلى أن  بعض العوامل الاقتصادية تلعب دوراً مؤثراً كتدني المردود المادي و ضعف الحوافز بأشكالها المختلفة ، ووجود ممارسات غير مقبولة من قلة من المسئولين عندما يكافأ الموظف لأسباب بعيدة عن الكفاءة المهنية لوجود مصلحة ما في الوقت الذي يبعد فيه الموظف  النشيط ، هذه الأجواء السلبية تلقي بظلالها الكئيب على الواقع الوظيفي وتسهم في غياب قيم العمل وتدني مستوى الإنتاج .
غياب القدوة
و تحدد أ. رقية العلولا  أسباب غياب القيم عن محيط العمل في غياب القدوة في ممارسة قيم العمل من قبل المدراء والمشرفون بل وقبل ذلك الأسرة ، و التعليم المجرد سواء لقيم العمل أو غيرها من الأخلاقيات والقيم أثناء مراحل بناء الشخصية فترة التعليم العام ، فالمقررات تزخر بتمجيد هذه القيم ( كمفاهيم مجردة) إلا أنها تقصر عن تطبيقها كمنهج حياة ، و التناقضات التي يعيشها الفرد بصورة عامة بين ما يتلقاه في المدارس وما يمارسه أو يراه يمارس في محيطه الأسري والمجتمعي والوظيفي، و عدم وضوح الرؤى عند المخططين ، أو غياب التخطيط ، أو عدم التحديد والتعريف بقيم العمل في مؤسسة بعينها يؤدي إلى غياب هذه القيم .
التزام شخصي بين الفرد والمنظمة
وعن الآثار الإيجابية أو السلبية التي تنجم عن وجود هذه القيم أو غيابها في دوائر العمل الحكومي والخاص ، يقول أ.د. إبراهيم عارف : أن هناك العديد من الآثار الإيجابية لوجود موظفين يطبقون قيم العمل ويحرصون عليها ، من أهمها تقوية الروابط والعلاقات الاجتماعية داخل بيئة العمل بما يكفل ضمن الحدود اللازمة نجاح العمل واستمراره ، ومردوه الايجابي الذي يشعر به الموظف ، و يعزز فيه تحمل المسئولية ، وتزيد معدلات الجودة والدقة في العمل وإتقانه مما ينعكس على المحصلة النهائية والناتج الكلي للأداء  ، على اعتبار أنها تعني التزام شخصي بين الفرد والمنظمة التي ينتمي إليها ،، ولاشك أن وجود إجماع على التمسك بقيم العمل في منظمة ما يمكنها من الوصول للنتائج المرجوة وتحقيق الأهداف ، وتعطي مصداقية للعاملين مما يمنح الجهة ثقة الجمهور والمتعاملين معها ،  أما الآثار السلبية فهي بطبيعة الحال عكس ذلك تماماً .
كفاءة وفعالية
و يشير د. محمد البكر إلى أن أهم الآثار المترتبة على عدم وجود القيم في بيئة العمل، تشمل آثاراً إيجابية هي كفاءة وفعالية أداء الأجهزة الحكومية، ترشيد استخدام الموارد المالية، التوظيف الأمثل للطاقات والقدرات البشرية، الشعور والإحساس بالمسؤولية والإنجاز، تحقيق رضا المتعاملين المستفيدين من خدمة الجهاز الإداري، الحد من ظاهرة الرشوة والاختلاس والتزوير، تسهيل إجراءات العمل (سير العمل بشكل منظم وسريع)، دعم وتعزيز التوظيف الذاتي في العمل (الانتماء الوظيفي)، راحة المراجع، تحقيق درجة عالية من الانضباط لدى الموظفين، تحقيق الثقة بالجهاز الحكومي وفعالية أدائه ،
تنمية العمل بروح الفريق والتعاون بين الموظفين، تحقيق نوع من العلاقة الكبيرة بين العاملين بعضهم مع بعض وبين الرؤساء والمرؤوسين، القيم السليمة ترفع من مستوى الشفافية في منظمة العمل.
أما الآثار السلبية المترتبة على غياب قيم العمل فتتمثل بوجود الفساد الإداري من خلال شيوع مجموعة من المظاهر منها قيام العمل وفقًا للمحسوبية والوجاهة، انتشار الرشوة والتدليس، تغييب الأنظمة أو تجاوزها، هدر المال العام، عدم الاستفادة من الموارد البشرية (البطالة المقنعة)، تراكم وتعطيل العمل، التخلف عن مسايرة التطور العلمي والعملي، تدني مستوى إنتاجية الموظف، تدني مستوى إنتاجية الجهاز، انعدام روح التعاون والتكامل في أداء العمل بين العاملين، النظرة السلبية للجهاز الإداري والعاملين فيه من قبل المراجعين والمستفيدين من خدماته.
التأخير في الانجاز
وفي ذات السياق يقول د. حزاب الريس : هناك آثارا سلبية بسبب غياب قيم العمل ، أبرزها   التأخير في الانجاز ، ولا نحتاج إلى أدنى رصد أو ملاحظة فالمراجعين للدوائر الحكومية وخاصة تلك الأعمال التي لها علاقة بالجمهور ويرى آلاف المراجعين الذين يترددون على الدوائر الحكومية لانجاز أعمالهم بأنفسهم أن المراجع في حقيقة الأمر يقوم بعمل الموظف ، فلو كانت هناك ثقافة تنظيمية جيده وإحساس تجاه الآخر لما تعطلت هذه الأعمال ومن البديهي أن انجاز العمل لا يحتاج إلى مراجعه في المقام الأول فالمراجعة هي متابعه الموظفين لأداء أعمالهم التي لا يقومون بها في غياب هذا لنوع من الاستجداء مع انه من البديهيات أن تنجز هذه الأعمال في وقتها المحدد دون إلحاح من قبل المستفيد من الخدمة أو حتى الحاجة أو مجرد التفكير في توسيط أطراف خارجية للحصول على حق معلوم مبين في النظام.
القيم تظهر حيناً وتختفي حيناً
و من جهتها تقول أ. رقية العلولا : إن لوجود قيم العمل إيجابيات هي ذاتها إيجابيات القيم الأخلاقية وقيم التعامل في حياتنا العامة وليس في حياتنا الوظيفية فحسب،  ويمكن إيجاز أبرز السلبيات الناشئة عن غياب قيم العمل في مؤسساتنا الحكومية والأهلية بالتالي :- تصبح المؤسسة بلا طابع ولا شخصية مميزة ، وهو أمر ينسحب على كافة متعلقاتها ؛ فيصبح إنتاجها غير مميز ، وموظفوها غير مميزون ، وأهدافها غير مميزة ، و الخطورة أن تظهر هذه القيم حيناً وتختفي حيناً ،فتظهر في الأحاديث وتختفي في الممارسات فتفقد المؤسسة مصداقيتها ، و في غياب القيم تنشأ الصراعات، ويرتفع مؤشر المحاسبية والرقابة والعقوبات والمركزية ويحل ذلك كله بديلا عن الانتماء والرقابة الذاتية .. فغياب( التعاون وروح الفريق الواحد) يظهر الصراع والمنافسة السلبية ويعلي شأن الذاتية والأنانية ، فتتقاطع أهداف المؤسسة مع الأهداف الخاصة لموظفيها ، كما أن غياب (الرقابة الذاتية والانضباط) يعلي شأن الرقابة الخارجية ومركزية المتابعة وتحل العقوبات محل الحوافز ، وغياب( الإخلاص والالتزام) يبعثر المسؤولية ، و أما غياب (العدل) فيخل بكافة الموازين والمعايير في المؤسسة فتصبح الترقيات والترشيحات والميزات الوظيفية وفق معايير عجيبة ليس من بينها الكفاءة والأحقية الأمر الذي يظهر جليا في موظفين محبطين متصارعين منخفضي الإنتاجية منخفضي الدافعية وبلا انتماء .
 
نماذج مؤثرة
و حول محور كيفية ننمي قيم العمل لدى شريحة الموظفين - خاصة الجدد منهم - بما ينعكس على تميز الأداء الوظيفي .. تقول رقية العلولا : يمكن بث قيم العمل لدى الموظفين باستحضار نماذج مؤثرة من تاريخنا الإسلامي كالرسول صلى الله عليه وسلم وقيم العمل التجاري التي مارسها وهو يخرج إلى الشام في تجارة لخديجة بنت خويلد رضي الله عنها ، وقيم العمل الدعوي التي مارسها وهو يدعو الناس لعبادة الله وحده . و القدوة من المدراء والقادة الإداريين بتجاوز الحديث عن قيم العمل إلى ممارستها فعلياً. و تحديد قيم العمل في المؤسسة والتعريف بها وإبرازها والتحفيز لممارستها والالتزام بها ، والثبات تجاهها مما يعززها ، و البدء المبكر في غرس القيم الأخلاقية بصورة عامة وقيم العمل بصورة خاصة في المراحل التي تسبق دخول الموظف سوق العمل وذلك بإدراجها في التعليم العام ليس كقيم مجردة كما هو الوضع الحالي بل كممارسات يثاب فاعلها ويحاسب تاركها .
الحوافز والعقوبات
و يعتقد د. حزاب الريس  أنه يمكن تنمية قيم العمل لدى شريحة الموظفين عن طريق تزيدوهم بالمهارات اللازمة لأداء أعمالهم وتعريفهم بثقافة المنظمة ومدى جديتها في الالتزام بأداء وظيفتها أمام الجمهور المستفيد من الخدمة التي تقدمها له إضافة إلى وجود اللوائح التنظيمية الواضحة التي تعرف الموظف بمهام وظيفته وهذا يحتاج إلى إعطاء دورات تدريبيه داخل المؤسسة وخارجها فكلما زادت كفاءة العاملين في المنظمة أو المؤسسة كلما زادت قدراتهم الوظيفية وكلما انعكس ذلك على أداء المؤسسة ككل، إضافة إلى السعي إلى إيجاد نظام واضح يحدد الحوافز والعقوبات .
 
استبانه خاصة
ويشير د. محمد البكر  إلى أنه قام بعمل استبانه (خاصة به) وزعها على عينة مختارة من متدربي المعهد لرصد الكيفية التي يمكن من خلالها تنمية قيم العمل لدى الموظفين السعوديين ، و كانت معظم إجابات المتدربين تتركز في اختيار القيادة التي تستطيع أن ترسخ وتبني القيم الإيجابية والمنتجة في منظمة العمل، القدوة الحسنة من القادة، التدريب الخاص بتعزيز وتنمية قيم العمل، الاختيار الجيد للعاملين، التثقيف المستمر بأهمية قيم العمل، مشاركة المؤسسات التربوية والاجتماعية المختلفة في تعزيز قيم العمل من خلال مواد وبرامج التربية الوطنية.
 
توفير بيئة وظيفية مناسبة
ويتطرق أ.د. إبراهيم عارف إلى أن  الشباب هم القلب النابض، والمستقبل الواعد لأي أُمة تنجح في التواصل معه ، ومعرفة احتياجاته وطموحاته، والمرحلة اليوم تتطلب الاهتمام بشريحة الموظفين الجدد لكي تنجح برامج الإصلاح الإداري وتحقق المأمول منها ضمن منظومة العمل المحلية ، بهذه الرؤية الواضحة والاعتناء بالموظفين الجدد من خلال غرس الانتماء في نفوسهم ، والتأهيل المناسب ، و تعزيز ثقافة المنافسة الإيجابية والتميز والإبداع في العمل ، وتوفير بيئة وظيفية مناسبة تسمح باستثمار إمكانياتهم وقدراتهم في تطوير الأداء وتشجيع المبادرات الايجابية بما يعود بالنفع والفائدة على المنظمة بشكل عام ، مع التأكيد على أن كل ذلك لن يجدي نفعاًُ ما لم تتوافر  القدوة الإدارية الواعية والمدركة لأهمية استحضار قيم العمل في جميع تعاملاتها مع مرؤوسيها كحسن المعاملة ، والإصغاء لاقتراحات ومطالب الموظفين ، والحرص على الأمانة والنزاهة ، و مراعاة وقت العمل ، والالتزام تجاه الأنظمة واللوائح ، والحرص على تطوير المهارات الوظيفية لجميع العاملين .
 
 
علاقة تكاملية
أما عن العلاقة بين تطور المجتمعات الإنسانية والتزامها بقيم وضوابط العمل .. فيضيف   أ.د. إبراهيم عارف : أن العلاقة بين تطور المجتمعات الإنسانية والتزامها بقيم العمل وضوابطه علاقة تكاملية تتجسد فيها معاني الانتماء والحرص على أن تكون الصورة العامة بالشكل الذي يشرف المجتمع ، بمعنى أنها تفرض التزاما على كل فرد بأن ينخرط في نسق معين تحدده المسئوليات والأهداف والغايات الاجتماعية التي تصب جميعها في صالح المجتمع ، وبالتالي فلن تجد الأفراد يسيرون كل في اتجاه مخالف لآخر بل أنهم جميعاً يعملون وفق روح واحدة تجمعهم غاية واحدة هي ازدهار وتقدم هذا المجتمع من خلال المحافظة على قيم العمل ، ولعل نظرة خاطفة لتجارب بعض الدولة المعاصرة كاليابان التي نهضت من الحطام وألمانيا التي تجاوزت التشتت والتقسيم وويلات الحروب ، وماليزيا التي ألغت معادلة العالم الثالث المتخلف ، هذه التجارب تعطينا مدى الأثر الذي يحدثه التمسك بقيم العمل وأثرها في تطور المجتمعات .
علاقة وثيقة
ويرى د حزاب الريس لاشك أن هناك علاقة وثيقة بين تطور المجتمعات الإنسانية الأكثر تقدما من الناحية التنظيمية حيث أن هذه المجتمعات وصلت إلى مرحلة متقدمة في الفصل بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي ولا توجد هناك أي درجة من (شخصنة) الوظيفة فالوظيفة العامة لها متطلباتها ومؤهلاتها ولا يوجد تداخل بين العلاقات الأولية والبسيطة أو ما يتعارف عليه بالعلاقات التقليدية والعلاقات التعاقدية ، فمجتمعاتنا مازالت في مرحلة التحول من العلاقات التقليدية إلى العلاقات التعاقدية المؤسساتية ولازال الجانب التقليدي من العلاقات يلعب دورا محوريا في تعاملاتنا الوظيفية وفى ثقافتنا المؤسساتية والتنظيمية وهذا من اكبر المعوقات في بناء ثقافة تنظيمية تعتمد قيم العمل وأخلاقياته منهجا أداء وظيفتها ولكي تسود هذه الأخلاقيات يجب إعادة تثقيف وتأهيل كل أفراد المجتمع ابتداء من الأسرة والمدرسة ، وانتهاء بالمنظمة لكي تكون قيم العمل راسخة متجذرة في مؤسساتنا  والعاملين فيها .
 


 
جميع الحقوق محفوظة لمعهد الإدارة العامة © 2010